الانتخابات واشكاليات المشهد الحزبي بين القانوني والسياسي

2026-01-09T10:41:06+00:00
2026-01-09T10:41:45+00:00
كتاب واراء
9 يناير 2026
الانتخابات واشكاليات المشهد الحزبي بين القانوني والسياسي
رابط مختصر
محمد الغزاوني

في افق الاستحقاقات الانتخابية التي ستعرفها بلادنا خلال سنة 2026. اود ان اطرح امام المتتبعين محاولة للفهم وليس الادانة ، كمساهمة متواضعة ، بروح وطنية خالصة . عساها تساهم في توضيح الرؤية ، وفي اثارة الانتباه الى ما اراه شخصيا ، امرا كبير الاهمية .

فكما يعلم الجميع ان احزابا سياسية قامت بتقديم اقتراحاتها المتعلقة بالتعديلات القانونية التي امر بها جلالة الملك وكلف السيد وزير الداخلية بهذا الملف . واذكر هنا انه سبق لي ان ساهمت بقولي ان القوانين الانتخابية ،مسالة لها اهميتها .مستدركا بالقول ان هذه القوانين والمساطر تبقى مسألة تقنية ، والحال ان الموضوع يتطلب ارادة سياسية في الاصلاح ، اذ ان الاصلاحات القانونية او التقنية وحدها غير كافية لاصلاح اختلالات لها طابع سياسي.

و خاصة تلك الاختلالات التي يعاني منها المشهد الحزبي في البلاد . وهذا هو اصل الداء وعقدة الاشكال .

فمن غير المقبول ان نتحدث عن انتخابات نزيهة وديمقراطية اذا لم نعالج ما يعانيه المشهد الحزبي ، واذا لم نتوفر على ارادة سياسية حقيقية وعلى اجراءات مستعجلة وسليمة لتدبير الحقل الحزبي في بلد ياخذ بالتعددية . وهذا يفرض مقاربة الموضوع طمن منظور يجمع بين القانوني و السياسي والسوسيولوجي.

والمنطق الموجه لهذا الراي كما سبق القول ، هو منطق الفهم لا الادانة .

صحيح ان بلادنا تتوفر على قوانين ومساطر منظمة للاحزاب السياسية ، تتضمن مقتضيات هامة ، وصحيح ايضا ان هذه القوانين موضوعا للعديد من المؤاخذات وليست خالية من الاعطاب . ومع ذلك فان الملاحظ عمليا ، ان هناك تسامحا اداريا في تطبيق القوانين مما شجع بعض “الزعماء” على اعتبار الحزب ملكا خاصا واعضاؤه هم كم بشري تتمظر فيه قوة الزعيم و حضوره . وهذا التسامح او التغاضي الادارى لا يحتاج ان نعطي الدليل على وجوده . وخاصة ما يتعلق ب:

* المؤتمرات غير المنتظمة

* الاشكالات التنظيمية الداخلية .

* ضعف الديمقراطبة الداخلية اونعدامها الا ما كان من الشكليات المشوهة للعمل الحزبي .

* ضعف اوغياب الشفافية فيما يتعلق بمالية الحزب . فحتي بعض التقارير المالية يتم تحريرها خارج اجهزة الحزب وحتى الشكلية منها.

* عدم احترام العهدات ورفض مبدأ التداول على القيادة والالتفاف على ذلك باساليب ملتوية اصبحت جد مكشوفة .

* وضع قواتين اساسية و داخلية على المقاس، وتشكيل قيادات ليس بالضرورة ان تتوفر على المؤهلات .واحيانا يكون ذلك خارج الاجهزة . بحيث ان اعضاء القيادات في بعض الحالات لايعرفون بعضهم البعض .

هذه الحالة تدل على ان هناك تناقضا بين مضامين النص القانوني ومرونة الممارسة . وهذا ليس امرا عرضيا ، وانما ذو دلالة سياسية ، سواء كان ذلك مقصوظا ام عفويا .

لا يمكننا الا ان نفهم هذا السلوك الاداري، الا بكونه شكلا من اشكال التوافق غير المعلن ، بين الادارة و قيادات حزبية . وهذا التوافق ليس تعاقديا، بل اقرب الى ما يسمى في علم الاجتماع السياسي: “توافقا انضباطيا ” حيث ان الادارة تتغاضى عن اختلالات بنيوية داخل احزاب ، مقابل انضباط قياداتها للسقف السياسي والابتعاد عن النقد المزعج.

نفهم من ذلك ان الادارة لا تريد احزابا قوية ، وفي نفس الوقت لاتريد الغاءها بالكامل .

ففي مراحل سابقة من تاريخنا . شاهدنا اعادة تربية الاحزاب عبر آليات القوة والدمج او الاقصاء.

اما اليوم ، فاننا أمام اعادة هيمنة ناعمة عبر ترك الاحزاب تضعف ذاتيا بالقبول و بقيادات مستهلكة وضعيفة التمثيل . والتساهل في فرض الاصلاحات القانونية الحقيقية على الاحزاب . هو اسلوب لاتقاء فرز نخب سياسية تحمل

مشاريع و مواقف مجتمعية وتنموية قد لا تتلاءم مع التوحه المرغوب فيه .

وهذا التساهل او المرونة ، ليست من باب الديمقراطية ، وانما قد تدخل من جهة: ضمن النهج” الضبطي” الناعم . فتفعيل القانون قد يؤدي الى ازمات وتشنجان او الى حل احزاب . اما التغاضي والتسامح ، فقد ينظر اليه فب اطار ما يمكن تسميته : “منطق عقلنة الضعف الذي ينتح لنا احزابا متهالكة وغير ديمقراطية ومنقسمة حول ريع الدعم العمومي ومردودية التزكيات و غيرها من المنافع الممكنة . هذه الاحزاب تكون اقل قدرة على تعبئة المجتمع ، وقابلة لان يتحكم فيها.

ومن جهة اخرى ، تسمح بالحفاظ على صورة التعددية الحزبية ، وعلى انتخابات منتظمة دون كلفة سياسية عالية او مفاجئة غير محسوبة .

لكن ما ثمن هذا الوضع ؟

ان هذ الوضع له اثمان على مختلف المستويات وفي مختلف المجالات . ولعل اقل ما يشار اليه و باختصار شديد هو :

1- على مستوى المواطن : العزوف وفقدان الثقة في الاحزاب و المؤسسات وفي جدوى المشاركة و في العمل السياسي .، وهو امر له ثمن اكبر مما يتصور .

2- على مستوى الحزب السياسي : فقدان او تآكل القدرة على التعبئة والتاثير ولعب دور الوساطة و ممارسة مهام الوظائف الاقتراحية وانتاج الافكار . الى حانب ضعف الشخصية وهشاشة التنظيم وطغيان المصالح الذي يجلب عناصر فاسدة تسيء لمصداقية الحزب .

3- على مستوى الادارة نفسها والدولة بصفة عامة . سواء على المدى المتوسط او المدى البعيد . ستجد الادارة نفسها عارية امان المجتمع وفاقدة لادوات الوساطة وخاصة خلال الازمات الاجتماعية . فتتحمل الادارة ما لا يجب ان تتحمله قانونيا و سياسيا .وقد راينا في عدد من الاحتجاجات الاجتماعية رفض المحتجين للاستماع لزعماء الاحزاب السياسية . وهذا من الاعباء الثقيلة التي من غير المقبول ان تتحملعا الادارة .

خلاصة القول ؛ ان اصلاح قوانين ومساطر الانتخابات مسألة تقنية ، ورغم اهميتها ، فانها وحدها ليست بذلك الاصلاح الذي سيرمم الاوضاع وينتقل بتحربتنا الديمقراطية و الحقوقية نحو الافضل والتخلص من الاعطاب او على الاقل التقليل منها.واخطرها اختلالات المشهد الحزبي. امام تلك المفارقة غير المقبولة الكامنة في صرامة النص القانوني ومرونة التطبيق. فالقوانين المنظمة للاحزاب ، رغم ما تتضمنه من مقتضيات زجرية وآليات ضبط ، فاننا نجد انفسنا امام نمط من التسامح الانتقائي اتجاه خروقات واختلالات تنهش المؤسسة الحزبية التي هي في حقيقتها مؤسسة عامة وليست كما يسميها البعض : ” حانوتا اومتجرا سياسيا خاصا” يؤمه اصحاب الاطماع … هذا التسامح يمكن فهمه بانه شكلا من اشكال التوافق الضمنى ، وغير المعلن بين الادارة وقيادات حزبية من اصحاب المتاجر السياسية حيث تمارس الادارة سلطتها ، لا عبر الاكراه المباشر ، و انما من خلال ما سماه المفكر و والفاعل السياسي الايطالي : “انطونيو غرامشى” بالهيمنة القائمة على القبول والرضى اكثر ما هي قائمة على آليات الاجبار .

وفي هذا السياق ، تظهر الادارة بانها غير مهتمة ببناء احزاب قوية . انما تسعى الى المحافظة على المعادلة الكامنة في اطروحة المفكر ” جويل ميغدال ” حول : الادارة القوية والمجتمع ااضعيف .حيث يتم

ضبط الفاعلين الوسطاء بدل تمكينهم .

وهذه الاطروحة يمكن فهمها بانها تجليا لما يسميه “بيير بورديو”: العنف الرمزي ، اي ان يكون القانون قائما في شكله الردعي .و دون تفعيله بالكامل ، مما ينتج انضباطا ذاتيا او ممارسة رقابة ذاتية داخل الاحزاب ، بلساليب مختلفة ، كالتقرب من السلطة و التزلف لمراكز القرار . والادارة تجد نفسها غير محتاجة الى تدخل مفضوح .

وبهذا المعنى يمكن فهم تدبير الادارة للحقل الحزبي بانه عرف انتقالا من اعادة التربية المباشرة الى اسلوب اعادة الهيمنة الناعمة . حيث يتم تدبير ضعف الاحزاب بدل تصحيح اوضاعها ، حفاظا على واجهة التعددية السياسية لكن دون المخاطرة بانتاح فاعلين سياسيين قادرين على اعادة تسييس المجال ، واعادة تشكيل موازين القوة بالمجتمع. وهكذا قد نجد انفسنا امام سلطة تقوم بادارة السياسة اكثر مما تسمح بممارستها . والاحزاب تتكيف بدل ان تقاوم . والوضع يبقى راكدا فاقدا للدينامية … انه اسلوب الهيمنة الناعمة بدل القمع المباشر .

وكاي مواطن له غيرة على بلاده وفي مستوى ادراكه للامور . لا بد ان يرى بان مصلحة البلاد تتطلب اعادة النظر في هذه الوضغية ، انطلاقا من اصلاح المشهد الحزبي . فلا يمكن بناء ديمقراطية دون احزاب فاعلة وقوية ، تتمتع بثقة المجتمع . وتتوفر على الاطر القادرة على تعبئة المجتمع ، و انتاج المشاريع والمخططات التنموية التي من شأنها اعادة الثقة والحماس للناس . ذلك في اعتقادي المتواضع ما يتعين التوجه اليه ، اذا اردنا ان تشهد بلادنا انتخابات نزيهة سياسيا وليس فقظ تقنيا واعلاميا … انتخابات لا تقتصر نتائجها على الاتيان بمنتخبين جدد من بعض تلك العينات الى رايناها ونراها حاليا في مجالسنا التمثيلية والتبدي تاتي خاوية الوفاض الاما تعلق بالاطماع … انتخابات تكون لها مردودية تتصف بالايجاب على كافة المناحي الوطنية . ويكون من شانها – وهذا هو الاهم- اعادة تصالح المغاربة مع السياسة والاحزاب السياسة ووضع حد للعزوف وسد المنافذ في وجه الفساد ، بكل اشكاله ، بما في ذلك الفساد السياسي الذي تتفرع عليه كل الاشكال الاخرى من الفساد . فهو الارضية التي تسمح بتنامي الفساد و تربك الاوضاع وتشرع الابواب امام الاستثمار في عدم رضى المجتمع ، ولعل تجربة جيل زاد التي تم تحريكها عبر العالم الازرق بشعارات وجدت لها اصداءا متجاوبة في مجتمعنا . ان هذه التجربة لكفيلة بان تكون اقوى منبه للجميع .