تناولت سابقا العملية المرعبة التي وقعت في أستراليا ، ومدى تأثرها بالكوارث الإنسانية التي عرفتها حرب غزة . وساتناول في هذه التدوينة المختصرة ، مسألة تناول الاعلام الغربي لمثل هذا الحدث المؤلم ، حيث ازهقت ارواح ومزقت اجساد اشخاص ابرياء لا ذنب لهم سوى انهم من اتباع ديانة سماوية.
فكما هو معروف ، فالتناول الاعلامي يعد مسألة على درجة كبيرة من الأهمية ، حيث ان ادارة الحدث اعلاميا في الغرب لاتقل أهمية عن الحدث نفسه . ولذلك ساحاول كشف ان ذلك يعد عملية منهجية تتم. في الغالب عبر خطوات متتالية تتداخل فيها وسائل الإعلام والخطاب السياسي ول اراء خبراء الامن .
وهذا ما ساعرضه عبر خمس خطوات مترابطة :
1- الخطو ة الأولى غالبا ما تبدا بعملية احتكار الرواية .. فخلال الساعات الاولى بعد اي حدث عنيف اوا رهابي ، يركز هذا الاعلام على:
عدد الضحايا – صور الصدمة- ابراز الخوف . نشر الشهادات العاطفية ، في نفس الوقت تغييب الاسئلة البنيوية التي تتناول ماذا وقع و في اي سياق تم ، و ما علاقته بالسياسات الخارجية . والهدف من ذلك هو التركيز على الاثارة التي ترمي إلى خلق حالة من الاجماع العاطفي, واقصاء التفكير النقدي المتعلق بالحدث وما يحيط به من حيثيات.
2 – في الخطوة الثانية ، يتطرق هذا الاعلام مبكرا الى تسمية الحدث العنيف بأنه اما ارهاب او حادث فردي ؟
وفي هذه المرحلة تبدا المعركة الرمزية بانحياز بارز … اذا كان الفاعل مسلما او له علاقة بالقضية الفلسطينية فهو ارهاب . اما اذا كان ابيض او غربي اويميني او مختل عقليا ، فالهجوم او الفعل العنيف في هذه الحالة يكون فعلا فرديا .
هذه الإزدواجية ، تم تفكيكها وتوثيقها في دراسات انجزها خبراء و علماء و خبراء من اوروبا وامريكا ولم تبق خافية على احد . ذلك ان الاعلام الغربي يحول العنف المرتكب من فعل سياسي الى هوية ثقافية ، اي انه يصنف حسب الانتماء الهوياتي والثقافي لمرتكب الفعل .
3 – الخطوة الثالثة وتتشخص في الربط الانتقائي بالتطرف الاسلامي ، ودون تحليل مرتبط بالسياق العام للحدث . في نفس الوقت يتم تغييب ذكر ما يقع من مجازر وما يمارس من حصار و من خرق للقانون الدولي
وهكذا ، فعندما تتناول وسائل الإعلام هذه ، غزة على سبيل المثال ، فانها لا تتناولها كماساة إنسانية ، بل كمصدر للتهديد الامني وربطها بتبرير السياسات الداخلية المتعلقة بالمهاجرين .
4 – وفي برامج النقاش على المنصات الإعلامية يتم استدعاء خبراء الامن بد لا من خبراء السياسة . فتنفتح هذه المنصات على ضباط سابقين و محللين امنيين و مراكز تفكير قريبة من الدولة . وكل ذلك بهدف إلى صنع راي عام على المقاس . في حين يتم إقصاء علماء الاجتماع وخبراء القانون الدولي .وتقديم المشاكل بانها مشاكل أمنية والحلول كذلك بانها حلولا أمنية وليست سياسية .مثلا بدل تقوية سياسات الاندماج للمغتربين يتم تشديد القوانين والرفع من سقف التهديدات والضغوط .
5 – في هذه المرحلة يتم الوصول الى الهدف المقصود . وهو التوظيف السياسي لتبرير قوانين المراقبة الشديدة. والتضييق على التظاهر و التضامن مع المقهورين ضحايا التدخلات المفرطة في استعمال القوة ، و و صف كل تضامن مع هؤلاء بأنه خطاب الكراهية و في نفس الوقت يتم تعويم الخطاب بشكل تعسفي بعيد عن منطق الحقيقة ومعطيات الواقع ، كما يحدث عندما يتم تقديم اسرائيل مثلا بانها الخط الامامي لمحاربة الارهاب الذي يهدد الجميع .فنجد النقاش يتحول من نقاش اخلاقي حول القضايا الإنسانية . إلى نقاش امني يتركز على الخطر الاسلامي.
وهكذا ، فإن كل شيء هنا خاضع للانتقاء ،بعيدا عن مبادئء الليبيرالية ، بحيث يتم تحديد من يسمح له بالكلام ومن يتم اقصاؤه . وهذا ما يطلق عليه في فكر “نعوم تشومسكي” و’ميشيل فوكو ” ربط المعرفة بالسلطة .
وفي الاخير لابد من الإشارة إلى أن وسائل الإعلام الغربية ليست كتلة واحدة متجانسة . فهناك صحافة نقدية حقيقية ، لكنها اقل ظهورا . اما الصحافة السائدة فتشتغل وفق منطق الدولة والامن.
