يناير الامازيغي ذاكرة وهوية

وطنية
11 يناير 2026
يناير الامازيغي ذاكرة وهوية
رابط مختصر

بقلم عزيز ندموسى

مع حلول شهر يناير من كل سنة، يتجدد في المغرب احتفال ضارب في عمق التاريخ، هو الاحتفال برأس السنة الأمازيغية المعروف بـ“يناير”. ولا يندرج هذا الاحتفال في خانة الطقوس الفولكلورية العابرة، بل يشكل تعبيرًا حيًا عن ذاكرة جماعية متجذرة وعن علاقة الإنسان بالأرض والزمن وعن هوية ثقافية صمدت أمام تعاقب الحضارات وتحولات السياسة.

يعود التقويم الأمازيغي بحسب العديد من الدراسات التاريخية إلى سنة 950 قبل الميلاد تزامنًا مع اعتلاء الملك الأمازيغي شيشنق الأول عرش مصر القديمة، في لحظة رمزية تؤكد الحضور السياسي والحضاري للأمازيغ في التاريخ المتوسطي ومنذ ذلك الحين، ظل الاحتفال بـ“يناير” مرتبطًا بالدورة الفلاحية وبقيم الخصوبة والتجديد، حيث تحرص الأسر المغربية في مختلف المناطق على إحياء المناسبة بطقوس جماعية، في مقدمتها إعداد أطباق تقليدية قائمة على الحبوب ومنتوجات الأرض، تعبيرًا عن التفاؤل بسنة فلاحية موفقة.

وفي السياق المغربي المعاصر، اكتسب رأس السنة الأمازيغية بعدًا وطنيًا جديدًا، خاصة بعد إقرار دستور 2011 الذي رسّخ الأمازيغية لغةً رسمية إلى جانب العربية باعتبارهما مكونين أساسيين للهوية الوطنية المشتركة. وقد أسهم هذا التحول الدستوري في إعادة الاعتبار لمظاهر التعبير الثقافي الأمازيغي، وفي مقدمتها الاحتفال برأس السنة الأمازيغية، بوصفه رصيدًا رمزيًا جامعًا لجميع المغاربة.

وقد تعزز هذا المسار حين أقرّ جلالة الملك محمد السادس اعتماد رأس السنة الأمازيغية يوم عطلة رسمية مؤدى عنها في خطوة تاريخية ذات دلالة سياسية وثقافية عميقة، فالقرار الملكي لم يكن مجرد إجراء إداري، بل رسالة واضحة تؤكد أن التنوع الثقافي يشكل ركيزة من ركائز الوحدة الوطنية وأن الأمازيغية ليست شأنًا فئويًا، بل جزءًا لا يتجزأ من الذاكرة الجماعية للدولة والمجتمع.
غير أن الاحتفال برأس السنة الأمازيغية يطرح اليوم جملة من الأسئلة الجوهرية، تتعلق بكيفية الانتقال من الاعتراف الرمزي إلى التفعيل الثقافي والمؤسساتي، ومن منطق الاحتفاء المناسباتي إلى إدماج فعلي لهذا الموروث في المنظومة التربوية والإعلامية.

كما يطرح تحدي حماية هذا التراث من الاختزال الفولكلوري أو التوظيف الظرفي، بما يفرغه من عمقه التاريخي والإنساني.

إن الاحتفال برأس السنة الأمازيغية في ضوء الاعتراف الدستوري والقرار الملكي يشكل فرصة حقيقية لتعزيز قيم التعدد والإنصاف الثقافي، وترسيخ الشعور بالانتماء المشترك فهو احتفال بالذاكرة والهوية وبقدرة المجتمع المغربي على التوفيق بين أصالته التاريخية وخياراته الحداثية.

وبذلك، يغدو “يناير” أكثر من مجرد تاريخ في التقويم، ليصبح عنوانًا لمغرب متصالح مع ذاته، معتز بتنوعه، ومؤمن بأن الاختلاف الثقافي ليس مصدر انقسام، بل أساس قوة وتماسك.