ليلى بهلولي
عززت المملكة المغربية مكانتها كمنصة صناعية إقليمية وعالمية في قطاع صناعة السيارات والطيران، فقد شهد هذا القطاع الإستثماري خلال العقد الأخير قصة نجاح متميزة حيث وصلت الطاقة الإنتاجية السنوية إلى مستويات قياسية قاربت 700 ألف مركبة وبحسب تقرير المنظمة الدولية لمصنعي السيارات (OICA) لسنة 2025 شهد النصف الأول من السنة الجارية نموا بنسبة 36% مع قدرة إنتاجية بلغت مليون سيارة سنويا، كما تصدر المغرب إنتاج السيارات في شمال إفريقيا وتفوق على إيطاليا في رقم الإنتاج الإجمالي، مع وصول إيرادات صادرات السيارات المغربية إلى 16مليار دولار خلال الموسم الأخير من السنةالجارية، لتصبح المملكة على خريطة الإنتاج والتصدير العالمية كأول مصدر للسيارات في القارة السمراء وذلك بفضل الرؤية الرشيدة للعاهل المغربي صاحب الجلالة الذي جعل من المملكة قطب صناعي إقليمي -عالمي عبر مخطط تسريع تنمية الصناعية الذي أعطى انطلاقته في الفاتح من أبريل لسنة2014 بالدار البيضاء كإستراتيجية تنموية متكاملة وموجهة نحو التصدير، تعتمد على تحفيز الإستثمار الأجنبي المباشر وتعميق التصنيع المحلي من خلال توفير بنية تحتية متطورة وحوافز استثمارية مغرية وتأهيل للموارد البشرية لأجل خلق فرص شغل والمساهمة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية بالمملكة مما ساهم في جدب ألمع المجموعات العالمية بالمملكة.
وتشكل شركات “câblage ” وتعني تجميع الأسلاك والضفائر الكهربائية العمود الفقري لهذا القطاع، حيث تنتشر مصانعها في المدن الكبرى مثل طنجة، القنيطرة، وسوس،سلا…وبالتوازي مع هذا الصعود الصاروخي في الأرقام والإحصائيات، تتكشف حقائق مؤلمة داخل أسوار هذه المصانع. إنها حقيقة عشرات الآلاف من العاملات المغربيات اللواتي يُشَكِّلن العمود الفقري لهذه المصانع. فمقابل الأرباح الطائلة التي تجنيها الشركات الأجنبية، تعيش هذه الشريحة أوضاعاً اجتماعية ومهنية متدهورة وهشة لتتفاقم مع ظروف العمل القاسية، مع تصاعد الضغط الإنتاجي المُنهك، وفي ظل غياب الرقابة القانونية على هذه الشركات ما يثير تساؤلات جوهرية حول كلفة هذا النمو الاقتصادي على حساب كرامة العاملات ليُبرز التناقض الصارخ بين صعود قاطرة الإقتصاد الوطني، مقابل تآكل حقوق الطبقة العاملة.
فخلف أبواب هذه المصانع العملاقة تُخفى قصص مألمة ومعاناة يومية لآلاف العمال، غالبيتهم من النساء اللواتي يواجهن ضغوطاً متزايدة في بيئة عمل قاسية تتسم بالإنتاجية القصوى، والمطالب الصناعية المنهكة، فالسمة الأبرز لهذا القطاع هو الوتيرة السريعة والعمل اليدوي الدقيق المتواصل بدون توقف.
تعتبر مصانع câblage وحدات تجميع سريعة، مما يفرض على العاملات ضغط في كمية الإنتاج اليومي عبر إنجاز حصة يومية محددة بدقة، أو مايسمى داخل الشركات Objectif وأي تأخير يؤدي إلى التوبيخ أو تهديد بالفصل، مما يحول ساعات العمل داخل هذه المصانع إلى سباق مرهق ضد الإنسانية.
وفي سياق أخر أعلن هذا القطاع الحيوي خلال الأيام الماضية عن أزمة متنامية شملت النقص الكبير في اليد العاملة.
فما الذي يدفع العمال إلى مغادرة شركات “الكابلاج” بالرغم من البطالة التي وصلت إلى12.8% على المستوى الوطني؟
بحسب تصريحات مختلفة لعاملات غادرن أسوار هذه الشركات تتعدد الأسباب وأهمها:
-الأجور الزهيدة بالرغم من أن القطاع يحقق أرباحاً طائلة ويعتمد على التصدير، فإن الأجور غالباً لاتصل إلى الحد الأدنى القانوني للأجور (SMIG)، فرغم الزيادة بنسبة 5% التي جاء بها المرسوم رقم 2.24.11.22 سنة 2024 في إطار الإتفاق اجتماعي بين الحكومة المغربية واتحاد العام لمقاولات المغرب (CGEM) حيث تم الرفع من SMIG إلى 3423 درهم شهريا لكن لاتزال بعض الشركات تمنح الأجور أقل بكتير من هذا الحد في ظل غياب أي رقابة قانونية على هذه الشركات، وفي ظل إرتفاع تكلفة المعيشة.
وفي تصريح صحفي تقول إحدى العاملات بهذه الشركات بالمنطقة الصناعية بسيدي بوقنادل التابع لإقليم سلا تقول “قد يمتد العمل لمدة 12 ساعة يوميا مع فرض العمل لمدة أسبوعين متتاليين ليلا مع زيادة العمل ليوم الأحد وتضيف نحن نعمل لانه لايوجد بديل لنا”.
-العمل الإضافي الإجباري يلجأ المشغلون بشكل متكرر إلى فرض ساعات عمل إضافية تصل إلى 12 ساعة يوميا غير مدفوعة الأجر أو بالأحرى مدفوعة بأقل من الأجر القانوني.
-المنع من الصلاة فبعض المسؤولين أوles Chefe ďequipe بهذه الشركات لايسمحون للعمال في تأدية هذه الفريضة التي لاتأخد سوى دقائق معدودة في بلد إسلامي بدستوره
-التحرش والإستغلال الجنسي والذي تتعرض له العاملات من بعض المشرفين داخل الشركات في واقع يدفع العديد منهن للصمت خوفا من فقدان مصدر الرزق الوحيد لهن ولعائلتهن.
-الوقوف المستمر لساعات طويلة وعدم إحترام لشروط الصحة والسلامة المهنية مايعرض العاملات للخطر الإصابة بالعديد من الأمراض المزمنة.
في ظل هذا الواقع الصعب تواجه العاملات صعوبات في تنظيم صفوفهن والدفاع عن حقوقهن عبر العمل النقابي. فـ “ثقافة الخوف” من الفصل التعسفي تُعد سلاحا فتاكا بيد الإدارة لكبح جماح أي تحرك احتجاجي أو للمُطالبة بالحقوق المشروعة ورغم وجود مدونة الشغل، إلا أن تطبيقها الفعلي ومراقبة ظروف العمل داخل هذه المصانع يتطلب تفعيلًا أكبر لدور مفتشية الشغل.
لا يمكن لقطاع حيوي مثل صناعة “Câblage”، الذي يمثل قاطرة للصادرات الوطنية وواجهة للنجاح الصناعي المغربي، أن يستمر في الازدهار على حساب استنزاف حقوق وكرامة العاملات المغربيات اللواتي يمثلن عصب هذا الإنتاج. إن استدامة أي نجاح اقتصادي لا تقاس بحجم الأرباح أو نسبة الإدماج، بل بمدى عدالته الاجتماعية. لذا، تقع المسؤولية اليوم على عاتق الوزارة الوصية وإدارة الشركات والهيئات الحقوقية لتطبيق الفعلي لمدونة الشغل، وتفعيل دور مفتشية الشغل لأجل إعادة النظر في مفهوم “الإنتاجية” ليأخذ بعين الاعتبار الكرامة الإنسانية أولا وحق العاملة في أجرة عادلة كما أقرها المشرع المغربي وظروف عمل صحية مناسبة ومنصفة، تضمن لهن ولأسرهن حياة كريمة.
