غياب جدي بنعيسى

فن وثقافة
1 ديسمبر 2025
غياب جدي بنعيسى
رابط مختصر

بشرى الغفوري

في مدينة صغيرة كان هناك بيت يعج بالحياة والصخب تتعاقب فيه خطوات الأحفاد والأبناء والأقارب من كل حدب وصوب
بيت كانت جدرانه تحكي الحكايات والضحكات وتتنفس روح من أحبوه وكان قلبه الكبير يخفق مع كل صوت وكل حركة فيفي نفس البيت كانت دادة خديجة أول من دخل حياة جدي بنعيسى الذي عرف كيف يجعل الجميع يشعرون بالأمان
دادة امرأة طيبة القلب كانت تدخل البيوت في أصعب اللحظات وتخرج مبتسمة تحمل معها البشرى والحياة (تولد النساء أو قابلة) أنجبت دادة خديجة ولدا من أطيب خلق الله (محمد) وكان خالي (محمد) قبل وفاة جدي بنعيسى يسير على خطاه
لم يقطع الرحم أبدا
رحل خالي محمد لكنه ترك وراءه أبناء يسيرون على خطاه وقد تركوا إرثا من الحب والفضيلة نستذكره بكل فخر واعتزاز
اما دادة ظلت محبوبة ومحترمة وسندا للجميع رحمها الله لها مواقف جميلة لا تنسى
ثم جاءت الجدة فاطنة المرأة الحكيمة والصبورة التي أنجبت أحد عشر ولدا ومعها أصبح البيت أكثر من مجرد جدران وسقف
أصبح عالما قائما بذاته ممتلئا بالحب بالفرح بالمسؤولية وبالذكريات
وسط كل هذا الزخم كان جدي بنعيسى هو مركز البيت وروحه رجل لا يشبه أحدا مختلف في كل شيء قلبه رحب لا يعرف الكره ولا الحقد متصالح مع نفسه ومع كل الناس كان يفيض عطفا وحنانا مع أبنائه وأحفاده ونشطا دائم الحركة يملأ البيت بالحياة ويردد الأغاني المفضلة لديه خصوصا أغنية يا مصطفى فتتصاعد الضحكات وتملأ الزوايا بالبهجة
كنا نحتمي وراء ظهره نضع رؤوسنا على كتفه ويده دائما على كتفنا لتطمئننا تمنحنا شعورًا بالأمان لا يضاهى
لم يترك يوما أحدا يشعر بالوحدة ولم يمل من سرد الحكايات أو السفر لزيارة الأقارب أو مساعدة من يحتاج إلى يد حانية كان يعلمنا أن الحب والكرم هما ما يجعل الحياة عظيمة وكانت صرامته حين يلزم الأمر جزءا من حكمته قلبه الكبير كان يضم الجميع بلا استثناء
ومع مرور الأيام رحل جدي بنعيسى بعد معاناة مع المرض واليوم لم يعد البيت كما كان اختفى الصخب الذي كان يعج به واختفت الضحكات التي كانت تملأ الزوايا واختفى السند الذي كنا نحتمي به جميعا أصبح الجميع يبتعد عن بعضه البعض وصمت البيت اصبح ثقيلًا وكأن الروح نفسها غادرت المكان
لكن رغم هذا الفقدان يظل أثره حيا يذكرنا دائما بأن الحب والحنان والكرم الذي زرعه في قلوبنا لا يزول وأن البيت الحقيقي لا يقاس بالجدران بل بالقلوب التي تحيه لقد كان رجلا فريدا نشيطا محبا للحياة وترك وراءه إرثا من الحب والرحمة والدفء لا ينطفئ حتى وإن اصبح البيت صامتا