بعيدا عن موقف المعارضة او التاييد لاعتقال رئيس فنزويلا ومدى صحة التدخل الامريكي من عدمه ، : احاول فقط ، فهم اتجاه تطور الاوضاع الدولية، ليس انطلاقا من هذه الواقعة التي مازالت لم تكشف عن اسرارها ووفائعها كاملة . بل كذلك من خلال ما سبقها من احداث ، كحرب اوكرانيا وتاسيس جمهورية على ارض الصومال باعتراف اسرائيلي ، والعمل على دعم اقليات في سوريا لتاسيس كيانات جديدة تمزق وحدة شعب وارض هذا البلد. والاعتداء اليومي على لبنان وصمت جامعة الدول العربية بالاضافة الى مشاريع تقسيم اليمن والعراق والسودان وليبيا . وما جرى ويجري في فلسطين .
كل ذلك يتم في استبعاد تام للقانون الدولي . مما يطرح السؤال حول الى اين يتجه العالم . فهل يسير في اتجاه ما وقع لعصبة الامم ؟
مهما اختلفت التحليلات والمواقف ، فنحن في صلب مرحلة تفكك النظام الدولي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية . ولسنا امام مجرد ازمة عابرة .
صحيح ان القانون الدولي قد تراجع الان ، لكنه لم يلغ رسميا ، لكن لا يمكن لمن يحترم نفسه، ان ينكر بانه يطبق بانتقائية واضحة . فهو يطبق ضد الدول الضعيفة ، وتعطى له تاويلات مختلفة عندما يتعارض مع مصالح القوى الكبرى .
وما يجري في فلسطين ولبنان واليمن وسوريا يوضح ان ميزان القوة اصبح اهم من النصوص القانونية والمباديء. و بالموازاة مع ذلك يتضح ان العالم يتجه من نطام دولى واحد الى كتل متنافسة متصارعة خارج قواعد اللعبة الاممية . و تحريك حروب وصراعات تسعى لتشجيع التفتيت الداخلى .وهذا ما يذكرنا بمرحلة ما بين الحربين العالميتين عندما كانت عصبة الامم قد ضعفت وتكاثرت النزاعات الاقليمية وساد فرض الامر الواقع بالقوة . وما يزعج حاليا ان الامم المتحدة بدات تفقد قدرتها على الردع بسبب حق النقض الذي قسم مجلس الامن .مما يؤشر على ان الامم المتحدة اخذت تتحول الى منظمة شكلية . وهو ما جعل البعض يعبر عن تخوفه من اندلاع حرب عالمية ثالثة .
الا ان هناك من يطمئن . ويستبعد الحرب الكونية ويعترف بان الفترة ستعرف توسع الحروب الاقليمية والضغوط الاقتصادية العالمية و ازدياد وتيرة سباق التسلح . و اعتماد اسلوب تفكيك الدول بدل غزوها . قي مرحلة اوضاع عالمية اقل استقرارا واكثر قسوة واقل عدالة .
وخلاصة الكلام ان ما سبق ذكره، يدل على اننا في نهاية مرحلة تاريخية وبداية نظام دولي غير واضح ، بدأت معالمه الاولى ترسم مع اللجوء الى القوة واستبعاد القانون .
فما السيناريوهات المحتملة للسنوات القادمة بالنسبة للمنطقة العربية في هذا الوضع الدولى المضطرب والاوضاع الداخلية غير المستقرة ؟
مع كامل الاسف ، كل المؤشرات تؤدي بنا الى القول ان المنطقة العربية ،مع بعض الاستثناءات القليلة ، مرشحة لان تستمر على حالها كساحة للصراع وبعيدة على ان تكون قطبا مؤثرا . فالعالم العربي بكل اسف ليس كتلة سياسية موحدةولا يملك اي مشروع استراتيحي موحد . والكثير من ازماته تدار من الخارج او عبر وكلاء . فهذا الوضع يجعله منطقة نفوذ لا مصدر قرار . خاصة وان هذه المنطقة تعاني من التفكك الداخلي والصراعات الطائفية والعرقية والنزاعات الحدودية الى جانب هشاشة مؤسسات الدولة واتساع الفجوة بين الشعوب والحكومات والاوضاع الاجتماعية غير العادلة . ولعل هذا ما يجعل تفتيتها وجعلها تحت اليد وتحويلها الى دول اكثر وظيفية و ضعيفة السيادة ، امرا سهلا .و هو ما يعتبر اقل كلفة من احتلالها المباشر.
لكن الامل كل الامل يعقد على الامثلة الاكثر حكمة وقدرة على التكيف الذكي مع الاوضاع الدولية الراهنة كحالة المملكة المغربية التي عرفت كيف تعقد تحالفاتها وتغير تموضعاتها الدولية وتحاول بناء اقتصاد مرن منفتح ومساير للعصر . واكيد انها ستبادر الى سد بعض الثغرات الاجتماعية التي من شانها المساعدة في تقوية وديمومة اسقرارها .
محمد الغزاوني – في 4يناير 2026
