داوود عبد السيد يرحل… وتبقى الأسئلة على الشاشة

مجتمع
27 ديسمبر 2025
داوود عبد السيد يرحل… وتبقى الأسئلة على الشاشة
رابط مختصر

ليلى حراتي

في صباح ثقيل، _اليوم 27 ديسمبر 2025 بعد صراع مع المرض، أغمضت السينما العربية عينيها على رحيل واحد من أعمق مخرجيها رؤيةً وأشدّهم هدوءًا وصخبًا في آن. داوود عبد السيد، صاحب البصمة التي لا تشبه أحدًا، غادر تاركًا خلفه أفلامًا تواصل المشي في ذاكرة المتفرج حتى بعد انطفاء الضوء الأخير.

رحيل داوود عبد السيد ليس فقط فقدانًا لفنان، بل رحيل رؤية سينمائية متفردة صنعت من الشاشة مرآة تفكر وتُسائل وتؤلم وتُلهم. سيبقى إرثه نبراسًا لكل من يؤمن بأن السينما أكثر من مجرد عرض… إنها حوار الإنسان مع نفسه والعالم.

ولد الراحل في القاهرة عام 1946، وتخرج من المعهد العالي للسينما سنة 1967 وهو يحمل حُلمًا أكبر من شابٍ في أول العمر. بدأ من خلف الكواليس، مساعدًا لعمالقة الشاشة ومتعلمًا من الميدان قبل المدارس. لكن ما إن وقف خلف الكاميرا منفردًا حتى بدا واضحًا أن هذا الرجل لا يروي حكايةً فقط… بل يطرح سؤالًا، ويترك الإجابة معلّقة في صدر المشاهد.

قدّم الراحل أول أفلامه الصعاليك سنة 1985، كإعلان ميلاد سينمائي مختلف؛ واقعية تحفر تحت جلد المجتمع، وتلتقط البشر في لحظات ضعفهم وقوتهم. ثم جاء العمل الذي خلّده في الذاكرة الجمعية: «الكيت كات». فيلمٌ تحوّل إلى حالة، إلى موسيقى خاصة، إلى صورة لمحمود عبد العزيز وهو يعبر الحياة بعينين تُخفي ألف رغبة مؤجلة. لم يكن الفيلم مجرد حكاية حي شعبي، بل قصيدة بصرية عن الحرية والحلم والعجز الإنساني النبيل.

ظل داوود عبد السيد وفيًّا لهذا الخط: سينما عن الإنسان أولًا.

عن التردد والخوف والرغبة، عن الحلم الذي يكبر في صدور البسطاء. من البحث عن سيد مرزوق، إلى أرض الأحلام، إلى أرض الخوف ومواطن ومخبر وحرامي، وصولًا إلى رسائل البحر و*«قدرات غير عادية»* آخر أفلامه. أعماله كانت تسير على الحافة بين الفلسفة والواقع، بين الرمز والشارع، بين الشعر والفيلم.

لم يكن صاخبًا، ولم يبحث يومًا عن أن يكون نجمًا أمام الكاميرا. اختار أن يكون صانع الضوء في الخلف، مفكرًا بصمت، مؤمنًا بأن السينما ليست للتسلية فقط، بل لفهم الحياة وقول ما نخشى قوله.

و يبقى رجلٌ علّمنا أن الفيلم قد يكون مرآةً نرى فيها أنفسنا، وأن المتفرج ليس متلقيًا فحسب بل شريكًا في الحلم.

داوود عبد السيد… رحلت، لكن شوارع «الكيت كات» لم تنطفئ. تاركة لنا أفلامًا تمشي وحدها نحو الخلود.

من أهم أعمال «فيلسوف الشاشة» السينمائية:

الصعاليك (1985) — البداية القوية التي لفتت الأنظار.

البحث عن سيد مرزوق (1991) — عمل يتميز بالتأمل في حياة البسطاء.

الكيت كات (1991) — تحفة سينمائية خالدة، بطولة محمود عبد العزيز، استُقبلت بإعجاب عالمي وتُعد من أهم إبداعاته.

أرض الأحلام (1993) — فيلم أُرسل ممثلًا لمصر في جوائز الأوسكار.

أرض الخوف (2000) — عمل آخر ضمن باقة إبداعاته.
مواطن ومخبر وحرامي (2001) — عبر فيها عن تناقضات المجتمع.
رسائل البحر (2010) — دراما تعكس رمزية الإنسان في مواجهة التغيرات.

قدرات غير عادية (2015) — آخر أفلامه قبل اعتزاله عام 2022.