“تليلت… الدوار الذي بنا مستوصفه بنفسه وتركه المسؤولون يُحتضر”

مجتمع
19 نوفمبر 2025
“تليلت… الدوار الذي بنا مستوصفه بنفسه وتركه المسؤولون يُحتضر”
رابط مختصر

بقلم: أمين الكردودي

في جهة سوس ماسة، وتحديداً بدوار تليلت التابع للجماعة الترابية أمسوان، تتجلى صورة صادمة لعزلةٍ تُعمَّد بالإهمال، ومعاناةٍ تمتد جذورها إلى الثمانينيات دون أن يلوح في الأفق أي بصيص لإنصاف ساكنة صبرت كثيراً وواجهت واقعاً قاسياً بوسائلها المحدودة. فمنذ عقود وسكان هذه المنطقة يطالبون بأبسط حقوقهم كمواطنين مغاربة، غير أن كل النداءات ذهبت أدراج الرياح، وكأن تليلت خارج جغرافيا البلاد وخارج مسؤوليات الدولة ومؤسساتها.

في سنة 2016، حين تخلى المنتخبون عن أداء واجبهم، وحين عجزت الجماعة عن المبادرة، قرر أبناء المنطقة أن يتولوا مهمة الدولة بأنفسهم. بادروا إلى بناء مستوصف من مالهم الخاص، تكفّلوا بتمويله وتشييده، بل ووهبوا الأرض التي بُني عليها للجماعة الترابية، في سابقة تعكس حجم الإحباط الذي بلغته الساكنة من تهاون المسؤولين وتملصهم من دورهم. هكذا، تكفلت الساكنة ببناء منشأة صحية كان من المفترض أن تكون من أولويات المنتخبين، وكأن تليلت لا قيادة فيها، ولا جماعة، ولا مسؤولون.

في سنة 2017، تم الانتهاء من بناء المستوصف، ولم تبادر الجماعة – ورئيسها أولاً – بأي خطوة. المبادرة الوحيدة جاءت من منتخب كان حينها في المعارضة، إذ استقدم لجنة جهوية من وزارة الصحة التي أثنت على المشروع، لكنها غادرت كما جاءت: دون أثر.

ولغاية كتابة هذه السطور، لم يرَ المستوصف النور، ولم تُفعّل الجماعة أبسط الإجراءات الإدارية للاستفادة من هذه المنشأة الصحية، بينما لا تزال الساكنة تعيش وصمة الإقصاء. فالحوامل والمرضى يقضون ساعات في طريق وعرة لقطع أكثر من 100 كيلومتر نحو مستشفى الحسن الثاني بأكادير. أما سيارة الإسعاف “المفترضة” لدى الجماعة، فهي مجرد هيكل بلا تجهيزات، بلا وسائل إسعاف، بلا مسؤولية.

وإذا كانت التنمية رهينة بمدى نجاعة المنتخبين، فإن جماعة أمساون تُقدّم نموذجاً صارخاً لمجلس فاشل في التدبير المحلي، عاجز عن توفير أبسط شروط العيش الكريم، رغم أن الساكنة نفسها مستعدة دائماً للمساهمة مادياً ومعنوياً. فكيف يعقل أن يعيش مواطنون في دولة جعلت من الكرامة والتنمية محور توجهاتها الملكية، دون ملاعب، دون مستشفى، دون بنية تحتية، دون نقل، دون تعليم، في ظل انعدام الماء وغياب شبكات الهاتف؟

أين هي المسؤولية في جهة سوس ماسة؟
أين الوالي؟ أين الجهة؟ أين المجالس المنتخبة؟
أم أن ظهورهم يقتصر على الندوات، واللقاءات، والتقاط الصور، بينما تليلت تُدفن في صمت؟

الأدهى من ذلك هو الخرس الإعلامي المحلي، الذي تحول جزء منه إلى آلة تلميع للمسؤولين بدل مراقبتهم، وتحوّل إلى عدسة مغلقة أمام المأساة اليومية للساكنة. إعلام لم يتجرأ على نقل صوت المواطن المنسي، ولم يؤدِّ دوره في فضح الفساد والاختلالات، تاركاً الساكنة تواجه مصيرها وحدها.

إن تليلت اليوم ليست مجرد دوار؛ إنها فضيحة تنموية، مرآة تعكس فشل السياسات المحلية، وجرح مفتوح في وجه كل من يتحدث عن “النموذج التنموي الجديد”. فإلى متى ستظل هذه المنطقة خارج اهتمام صناع القرار؟ وإلى متى ستبقى أرواح المواطنين رهينة الإهمال؟

IMG 20251118 WA0422 - Tawasol24news

إن أبناء تليلت لم يطالبوا بالمستحيل، بل بحقوق بديهية يكفلها الدستور وتؤكدها التوجيهات الملكية. وما لم تتحرك الجهات المسؤولة بشكل عاجل، فإن هذه المأساة ستظل وصمة عار على جبين كل من اختار الصمت أو التملص بينما المواطن يُعاني، ويُهمل، ويُترك وحيداً في مواجهة الحياة والموت.