نعود من جديد لتناول مسالة العلاقة بين الذاكرة الاستعمارية وحدود الدولة الوطنية في سياق الدول مابعد الاستعمار .وذلك من خلال ما اعاد طرحه قانون تجريم الاستعمار الصادر عن برلمان الجزائر ، وربطه بموقف الجزائر من ملف الصحراء ، الذي يعتبر الملف المركزي وصاحب الاولوية في اهتمامات الدولة الجزائرية .
فالمبادرة التشريعية للبرلمان الجزائري المتعلقة بتجريم الاستعمار الفرنسي .اعادت الى الواجهة نقاشا مركزيا في علم الاجتماع السياسي للدولة . يتمثل في كيفية تعامل الدول التي نشات ما بعد الاستعمار مع ارثهاالكولونيالي ، سواء على مستوى الذاكرة او على مستوى الجغرافية السياسية .. وهذا النقاش يزداد تعقيدا عندما يرتبط هذا القانون بالموقف الجزائري من قضايا اقليمية . وفي مقدمتها ملف الصحراء المغربية وهذا ما يطرح التساؤل حول مدى انسجام وصدقية الخطاب السياسي و القانوتي الجزائري ، في تعامله مع تصفية الاستعمار وحدود الدولة الوطنية .
فالحدود التي خلفها الاستعمار ، يبدو انها تحولت بعد الاستقلال من كونها نتاجا للقهر الخارجي الى عنصر مركزي في بناء السيادة الداخلية .وقد كرس هذا التحول لمبدا احترام الحدود الموروثة عن الاستعمار ، ليس بوصفه تعبيرا عن عدالة تاريخية بل كحل سياسي لتفادي تفكك بعض الدول التي صنعها الاستعمار .
غير ان هذا المبدأ يطرح عدة اشكالات حين يتم استعماله بصورة انتقائية ومغرضة .او حين تتم ادانةالاستعمار اخلاقيا في حين يتم التمسك بنتائجه الجغرافية .
عندما ننتقل الى الحديث عن الحالة الجزائرية ، فان الشرعية السياسية لديها تقوم الى حد كبير على سردية الثورة التحريرية التي تقود الى ان الاستعمار هو مؤسس كيان الدولة ووفر لها الاطار الترابي الكافي . ومن هذا المنطلق تجريم الاستعمار ليس سوى اداة رمزية لاعادة تجديد او احياء هذه السردية في سياق داخلى يتسم بتاكل الشرعية الثورية التقليدية التي لستعملت لتطويع الراي العام الشعبي . وهذا الخطاب يرافقه في ذات الوقت ، دفاع عن الحدودالتي رسمتها فرنسا .والكل يعلم بتفاصيل القصة . ويتم رفض اي نقاش حولها بل وتجريم كل من يتجرا ويتحدث عنها . وذلك على الرغم من ان هذه الحدود منتوجا مباشرا للسياسا الاستعمارية في المنطقة . وهنا تبرز بوضوح تلك المفارقة الكبرى:
فالاستعمار يدان بوصفه جريمة لكن نتائجه الترابية مقدسة ونقدم بانها نهائية وغير قابلة لاي مساءلة .
على خلاف الجزائر ، فان بناء الدولة الوطنية في المغرب يقوم على منطق الاستمرارية التاريخية ، حيث المرحلة الاستعمارية لم تكن لحظة تاسيسية للدولة كما كان بالنسبة للجزائر . الفترة الاستعمارية في المغرب كانت كعثرة مؤقتة في مسار سيادة اقدم وهذا ما اعترفت به السلطات الاستعمارية وبقي قائما رغم التطاول الاستعماري . ويظهر هذا الموقف بوضوح في استرجاع طرفاية وسيدي افني كما كان بالنسبة للساقية الحمراء و و ادي الذهب . حيث اعتبرت هذه الثغور كمجالات تاريخية و العالم يعرف بقصة احتلالها وكذلك بالطرق المغربية المعروفة لاسترجاعها … الصحراء المغربية تمت اعادتها وتم ترتيبها اداريا ضمن سيادة الدولة وفق مشروع الحكم الذاتي ، باعتباره آلية لتدبير التنوع داخل وحدة الدولة وسيادتها الوطنية .
واشد سقطة وقعت فيها الجزائر تكمن في انها تتشبث بمبدأ الحدود الموروثة عن الاستعمار ، عندما يتعلق الانر بالجزائر ، وفي المقابل تتورط في دعم اطروحة تقرير المصير بالصحراء وتخصص له كل مجهودات الدولة سواء منها العسكرية او المالية و الديبلوماسية … هذا ما يكشف ان تجريم الاستعمار تستعمله الجزائر كآلية سياسية في ادارة الصراع القليمي لاعادة انتاج التوازنات الجيوسياسية من جهة ولاسترجاع بعضا من الحماسة المتاكلة داخليا .
