عرفت أستراليا حدثا ماساويا، ذهب ضحيته عدد من الأشخاص الابرياء الذين ازهقت ارواحهم وحوالى 40 مصابا .
ورغم أن المعتدين وضحاياهم كلهم مواطنين استراليين، فان صحافة اسرائيل اعطت حجما كبيرا للحدث و حمل وزراء اسرائيليون المسؤولية في ذلك لحكومة أستراليا ، واتهموها بتشجع العداء للسامية والسماح بتنظيم مظاهرات كبرى لادانة حرب غزة ، خاصة وأن أستراليا تعترف بدولة فلسطين .وهذا التدخل الاسرائيلي في شؤون أستراليا والخلط الواضح والمقصود بين الدين اليهودي والعرق السامي، هو ما سوف نتناوله في تدوينة اخرى .
فكيف نفهم دوافع المنفذين لهذا الفعل الذي وصف بأنه عمل إرهابي؟ فهل هو ردة فعل على الكوارث الإنسانية بغزة ، ام انه عمل مخابراتي لاختلاق مبررات تسعى لاسترجاع ما ضاع من تعاطف مع اسرائيل ، و لترميم التفهم الضائع لما تقوم في حق الفلسطينيين ؟
سنحاول تناول هذا الموضوع بما يتطلبه الأمر من الحياد والموضوعية، رغبة في ادراك ما يعنيه هذا الفعل ، وفي معرفة من هي الجهات المحتمل ضلوعها في صنعه والتخطيط له ، الى جانب اظهار كيف تلقفته جهات اخرى بهدف استثماره لتبرير سياساتها ، واجراءاتها الأمنية ، خاصة الدول الاروبية والولايات المتحدة الأمريكية .
في تناولنا لهذا العمل المدان ، سوف نحتاط من الوقوع في التفسير الاحادي ، لنعتمد بدل ذلك مقاربة متعددة المستويات ، دون الوقوع في زلة انتاج خلاصات غير مسنودة بأدلة . ولذلك سنتناول الموضوع باختصار شديد عبر ثلاث فرضيات ، ومدى صدقية كل واحدة منها :
1ـ فرضية كون هذا الفعل ، وقع تحت تأثير الكوارث الإنسانية بغزة .
هذه الفرضية لها حجج تدعمها ، نذكر من بينها : مشاهد العنف والقتل والتخريب والعقاب الذي اتخذ شكل إبادة جماعية بغزة و تناولته محكمة دولية . فمن الطبيعي ان يولد ذلك صدمة أخلاقية ووجدانية ، وغضبا لا يعرف الحدود ولا الهوية . خاصة في اوساط الشباب عبر العالم .في اجواء اهوال ما يقع في غزة … فقد ينتقل ذلك ببعض الاشخاص من التعاطف الى الغضب المتطرف والى العنف الفردي . وهذا ما يمكن تسميته بالتطرف الانفعالى . الا ان الغضب الأخلاقي لا يفسر وحده التحول الى الارهاب ، دون ان يكون ذلك مدعوما بعوامل نفسية أو تنظيمية مرافقة . اي ان تاثيرات ماسي غزة ، قد تكون سياقا محفزا ومسهلا للدفع نحو الاتيان بهذا الفعل العنيف وليست سببا وحيدا له .
2 – فرضية الذئب المنفرد:
وهي الفرضية الاكثر اعتمادا من طرف الأجهزة الأمنية . وتتعلق بعمل عنيف يقوم به فاعل معزول ليس له ارتباطا تنظيميا مباشرا ، ودوافعه خليط من اضطرابات واحتقانات نفسية واحساس عميق بالظلم . و التاثر بالخطابات العنيفة التي يتعرض لها ويتفاعل معها . وهذا النموذج تكرر كثيرا في اوروبا وامريكا واستراليا وغيرها . و كثيرا ما يستعمل كتفسير سياسي سهل ومريح ، لكونه يعفي من المسؤولية او لكونه محاولة لابعادها.
3- فرضية الاختراق او الاستدراج الاستخباراتي والتوظيف السياسي والاعلامي .
هنا يطرح السؤال : هل ان ما وقع في أستراليا حدثا عرضيا وفرديا ام انه عمل مقصود ، تم التخطيط له بهدف استرجاع التعاطف مع اسرائيل ، واعطاء مصداقية للخطاب المعادي للعرب والمسلمين ؟
صحيح انه ، يصعب علينا في حدود ما نملك من وسائل المعرفة ، أن نجد دليلا ماديا موثوقا في الوقت الراهن ، يثبت بأن هناك أجهزة استخباراتية وقفت وراء ما حدث . لكن تصريحات مسؤولين اسرائيليين و غربيين و حملة الاعلام الاسرائيلي والغربي كلها تدل على ان هناك توظيفا سياسيا وإعلاميا بارزا لا يمكن اخفاره .
هذا التوظيف يتجلى في ربط اي عنف بشكل مباشر بالقضية الفلسطينية و بالاسلام والعرب . من خلال ذلك يتجلى تحريك واضح لإعادة انتاج خطاب المظلومية الاسرائيلي الشهير : ” اسرائيل ضحية الارهاب الاسلامي و العربي ”
و ” وحق اسرائيل في الدفاع عن نفسها ضد الارهاب الاسلامي ”
هكذا ، فانه اذا كانت الحجج القاطعة ، المتعلقة بتنفيذ عملية أستراليا غير متوفرة لدينا بشكل كاف ، فإن استثمار نتائجها سياسيا وإعلاميا ، أمرا لا غبار عليه.
خلاصة القول ، انه لا يمكن الجزم بتاكيد اونفي بأن الحادث رد فعل مباشر على اهوال وماسي انسان غزة، او انه عملية مخابراتية مدبرة .لكن ماهو اقرب للاعتقاد ، يرجح أن هناك تداخلا لعوامل متعددة في سياق دولي . متفجر تلقي عليه غزة بظلالها الحالكة . يطغى فيه التوظيف الاعلامي لخدمة سرديات جاهزة . وما لا يمكن ان يغيب عن ادراكنا ، هو أن غزة حاضرة بقوة في خطابين متقابلين : خطاب العنف وخطاب تبرير العنف المضاد .
” للحديث بقية ”
محمد الغزاوني رئيس جمعية مبادرة. المواطن. والحقوق
في 16 دجنبر 2025
العملية المروعة في أستراليا. هل لها علاقة بتاثيرات الكوارث الإنسانية بغزة، ام انها اختراق استخباراتي هادف؟
رابط مختصر
المصدر : https://tawasol24news.com/?p=146785
محمد الغزاوني
