تتبع الملاحظون ، التعاطي الاعلامي والديبلوماسي الذي تلى استهداف مواطنين استراليين من اتباع الديانة اليهودية ، وخاصة ما أتارته احتجاجات اسرائيل على الحكومة الأسترالية ، من نقاشات ، رغم ان الضحايا في هذا الحادث وكذلك المهاجم هم جميعا مواطنين استراليين. وقد تجاوزت احتجاجات اسرائيل حدود التعاطف الانساني وادانة العنف . لتمس بالسيادة الوطنية وبمفهوم المواطنة ، بفعل خطاب اسرائيل المعهود المطبوع بالخلط بين الهوية اليهودية والعرق السامي . ذلك ان احتجاج اسرائيل لم يقف عند التعبير عن القلق اتجاه سلامة جماعات دينية . بل تخطاه الى خرق حدود السيادة.
فاذا كان التدخل او الاحتجاج في القانون الدولي. يبنى في مثل هذه الحالات على وجود صلة واضحة برعايا او بمصالح مباشرة أو بالتزامات تعاقدية . فإنه في هذه الحالة لا تتوفر اي من هذه الشروط . فلا ضحايا يحملون الجنسية الاسرائيلية ولا استهداف لمصالح اسرائيلية ، ولا تهديد مباشر لدولة اسرائيل . ومع ذلك جاء الاحتجاج الاسرائيلي بصيغة ، توحي وكان الدولة الأسترالية مسؤولة سياسيا امام اسرائيل عن حماية مواطنين استراليين ، لانهم فقط يهود، وليس باعتبارهم مواطنين متساويين في دولة ذات سيادة . بل باعتبارها جزء من جماعة عابرة للحدود تتحدث اسرائيل باسمها .
فمشكلة اسرائيل ، انها تقدم نفسها ، بانها متحررة من كل القوانين الدولية وتتصرف كما يحلوا لها ، فهي تمارس العدوان على سيادة الدول بالقوة العسكرية كما تفعل مثلا في سوريا ولبنان وتمارس المس بسيادة الدول رمزيا بالخطاب كما فعلت مؤخرا مع أستراليا .
اسرائيل كما هو معروف تخلط بين اليهودية والسامية . وبين اسرائيل كدولة واليهود مجموعات بشرية متعددة الجنسيات . وهذا ما ينتج عنه مسا بسيادة دول اخرى حين تطالب تلك الدول ذات السيادة ، بتقديم تفسير او التزامات سياسية لدولة اخرى “اسرائيل” بسبب افعال مواطنيها فيمابينهم داخل حدود بلدهم . وهذا ما يجعلنا امام وصاية رمزية تمس جوهر السيادة .
المواطن الاسترالي من الديانة اليهودية تبعا لهذا المنطق هو امتداد طبيعي لدولة اسرائيل ، لا كمواطن كامل الانتماء لدولته … واضح ان هذا يتناقض جذريا مع الاسس الحديثة للدولة الوطنية ، القائمة على المساواة بين المواطنين ، بغض النظر عن الدينا. ا والعرق .
والاخطر في هذا السلوك الاسرائيلي هو الخلط غير الطبيعي بين السامية واليهودية . وتسييس الموقف بخطاب الاتهام بمعاداة السامية ، رغم ما في ذلك من توصيف عنصري . مرفوض ومدان تاريخيا واخلاقيا . والحال ان العرق السامي من عرب وعبرانيين، منهم اليهودي والمسيحي والمسلم .
حسب العديد من الباحثين وأصحاب الرأي ، ان هذا الخلط المضلل ، تريد من خلاله اسرائيل ان تستعيد صورتها كضحية دائمة ، وصرف الانظار عن ممارساتها ، خصوصا في وقت تراجع فيه التعاطف الدولي مع سياستها اتجاه الفلسطينيين والشعوب المجاورة التي تعاني من عدوانها العسكري ومن التهديد بالتوسع في اراضي الدول المجاورة.
في الاخير ، يتضح بأن الاحتجاج الاسرائيلي عن حدث استرالي داخلي ، يمثل تدخلا رمزيات وايديوجيا ، عندما ينتزع الطابع الوطني عن مواطنين استراليين لانهم يهود . و يحاول ربطهم بدولة اجنبية “اسرائيل” . وهذا ما يمكن وصفة بأنه عدوان ، خاصة في عالم تتاكل فيه الحدود بين الامن والاعلام والهوية . وتصبح السيادة لا تنتهك فقط بالدبابات بل بالخطابات ايضا .
محمد الغزاوني
الاحتجاج الاسرائيلي على استراليا، او الاعتداء الرمزي على السيادة .
رابط مختصر
المصدر : https://tawasol24news.com/?p=146820
محمد الغزاوني
