تُعدّ الأسرة نواة الوجود الاجتماعي وعماد الاستقرار الإنساني فهي ليست مجرد إطار يجمع بين رجل وامرأة بل منظومة متكاملة تُغرس داخلها القيم الأولى وتُصقل فيها الشخصية ويُبنى عبرها وعي الفرد بذاته وبالعالم من حوله إنها المدرسة الأولى والمحضن الذي يتكوّن فيه المواطن قبل أن ينخرط في رحاب المجتمع الواسع.
فالأسرة بوصفها الخلية الأولى في البناء المجتمعي تؤدي أدواراً سياسية وتربوية واقتصادية يتشكّل من خلالها وعي الأفراد ونظرتهم للحياة ففي بداخلها يتعلم الطفل معنى النظام والانضباط ويدرك حدود الحرية ومسؤولية اتخاذ القرار وعلى المستوى الاقتصادي تُسهم الأسرة في إعداد أفراد قادرين على الإنتاج والاندماج وتشكل وحدة دعم تفاعلية تُنعش الدورة الاقتصادية عبر الاستهلاك والعمل والتضامن أما اجتماعياً فهي الوعاء الذي تُنقل عبره العادات والتقاليد وتُصان داخله الروابط الإنسانية التي تحفظ تماسك الجماعة.

إلا أن الأسرة في الألفية الثالثة لم تعد تواجه التحديات التقليدية نفسها بل وجدت نفسها أمام موجة من التحولات العميقة التي أثّرت على بنيتها ووظائفها فمن أبرز هذه التحولات العزوف المتزايد عن الزواج لدى الشباب نتيجة تعقّد الشروط المادية وتغيّر النظرة إلى الاستقرار الأسري وارتفاع سقف التطلعات الفردية هذا العزوف لا ينعكس فقط على معدل تكوين الأسر الجديدة بل يؤثر بشكل مباشر على البنية الديموغرافية للمجتمع وعلى استمرارية الاستقرار الاجتماعي.
كما يُعد ارتفاع معدل الطلاق أحد أبرز مظاهر هشاشة العلاقات الأسرية المعاصرة فقد صارت الكثير من الزيجات تنهار في سنواتها الأولى تحت ضغط المشاكل الاقتصادية وضعف التواصل وتغيّر منظومة الأدوار داخل البيت إضافة إلى تأثير وسائل التواصل الاجتماعي وما فرضته من أنماط جديدة للتفاعل والعلاقات ويخلّف الطلاق وراءه تراكمات ثقيلة تمسّ الأطراف كافة خصوصاً الأطفال الذين يتحمّلون عبء التشتت النفسي والاجتماعي ويجدون أنفسهم أمام واقع أسري هش قد ينعكس على مسارهم التربوي والوجداني.
ومع ذلك تظل الأسرة مؤسسة قادرة على التكيف والصمود لأن قوتها ليست في شكلها التقليدي فقط بل في قدرتها على إعادة تعريف ذاتها بما يتناسب مع إيقاع العصر دون أن تتخلى عن جوهر قيمها إن الاستثمار في الأسرة هو استثمار في المجتمع كله لأنها الفضاء الذي يُصنع فيه المواطن الصالح ويُبنى فيه الوعي الجمعي وتُصان فيه القيم التي تحتاجها الأمة لتستمر وتنهض.
وفي نهاية المطاف يبقى إصلاح المجتمع رهيناً بصلابة هذا الوطن الصغير الذي يُدعى “الأسرة” فهي البداية… وهي النهاية التي يعود إليها كل استقرار وكل نجاح.
